(سعداء بزيارتكم)

29 سبتمبر 2011

عندما يصبح العالِم أداة للقتل بيد السلطان (قراءة متأنية في بيان العلماء)



 عن مأرب برس
حصل الرئيس علي عبد الله صالح، على الفتوى الشرعية، التي كان ينتظرها منذ أكثر من 8 أشهر، لاقتحام ساحات الاعتصامات السلمية المطالبة برحيله عن السلطة، وتصفيتها، تحت غطاء ديني، بناء على الفتوى الشرعية التي أصدرها عدد من منتسبي جمعية علماء اليمن، في البيان الصادر عنهم، صباح اليوم الخميس، والذي أفتوا فيه بحرمة الاعتصامات والمظاهرات، والخروج عمن وصفوه بـ«ولي الأمر» بالقول أو الفعل.
لم يقتصر بيان العلماء، على سرد العديد من الفتاوى المفصلة على مقاس رغبات الرئيس صالح، ولكنه تضمن تحريضا صريحا للرئيس على إزالة الاعتصامات السلمية من الشوارع، الأمر الذي اعتبره الناطق الرسمي باسم هيئة علماء اليمن، الشيخ محمد الحزمي، دليلا على أن هذا البيان بيان عسكري بامتياز، يدشن به نظام صالح الحرب الشاملة ضد معارضيه برداء ديني، بعد أن ظل يمارس القتل بحق الثوار منذ اندلاع الثورة، بدون فتوى دينية.
انتفاء الولاية
كانت أول نقطة تضمنها بيان العلماء، هي الإفتاء بأن «الخروج على الحكام محرم شرعا، سواء كان هذا الخروج بالقول أو بالفعل..»، في إشارة منهم إلى حرمة الخروج حتى ولو كان خروجا سلميا، وليس خروجا بالسلاح، مستدلين على ذلك بقوله تعالى «وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم».
وتعليقا على هذا النقطة، أكد الشيخ محمد الحزمي لـ«مأرب برس» بأن هذه الآية القرآنية التي استدل بها بيان جمعية علماء اليمن على حرمة الخروج على ولي الأمر، تعتبر دليلا عليهم، وليست دليلا لهم، لأن الله تعالى يقول «وأولي الأمر منكم» أي من المؤمنين، مؤكدا بأن قتل الشعب وترويع الآمنين ليس من الإيمان في شيء، وبأن الفساد ونهب ثروات المسلمين ليست من الإيمان في شيء، وبأن السماح ببيع الخمور جهارا نهارا، وبالربا، ليس من الإيمان في شيء.
وأوضح الحزمي بأن الآية القرآنية آنفة الذكر تؤكد بأن الإيمان شرط للطاعة، وإذا انتفى الإيمان لم يعد لكل النصوص التي يستدل بها على حرمة الخروج على ولي الأمر أي محل استدلال، لأن الولاية هنا قد سقطت عنه شرعا.
وأضاف الحزمي بأن الشعب اليمني هو من ولى ولي الأمر، والشعب الآن هو من خرج لعزله عن هذه الولاية، وجميع الفقهاء يؤكدون بأنه إذا انتفى شرط من شروط الولاية عن ولي الأمر وجب عليه أن يتنحى، وتسقط عنه الولاية.
حق التظاهر                       
كما جاء في بيان العلماء، بأن «المظاهرات والاعتصامات الحالية في الطرقات العامة والأحياء السكنية وما يحدث فيها محرمة شرعا وقانونا لما يترتب عليها من مفاسد (...) ولما تحمل من شعارات مخالفة للشرع»، وفي هذه الفتوى التي تضمنها البيان، ما يؤكد على جهل العلماء بالدستور والقوانين النافذة في الجمهورية اليمنية، التي تؤكد بأن حق التظاهر والاعتصام حق مشروع لكل مواطن يمني.
الشيخ محمد الحزمي، في تعليقه على هذه الجزئية التي أوردها البيان، تساءل عن الدليل الشرعي، الذي استند إليه هذا البيان في الإفتاء بحرمة الاعتصامات والتظاهرات، إذ أنه لا حرمة إلا بدليل، وبيان العلماء تجاهل في معظم قائمة فتاواه التي سردها ذكر أي دليل من القرآن والسنة عليها.
وأكد الحزمي بأن تجاهل الأدلة الشرعية، يؤكد بأن الصياغة التي صيغ بها البيان، ليست صياغة شرعية، صاغها علماء، وإنما صياغة سياسية بامتياز، مشيرا إلى أن العالم يفتي بما قاله الشرع، ولا يفتي بما قاله القانون، والبيان يتحدث عن القانون وكأنه دليل من الأدلة الشرعية المعتمدة، إلى جانب القرآن والسنة والإجماع.
عدم الحيادية
جاء البيان مرصعا بالعديد من التهم التي كالها على معارضي الرئيس صالح، ما يؤكد بأن من صدر عنهم هذا البيان، لم يكونوا ملتزمين بالحيادية، مصداقا لقوله تعالى «..إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة..»، فقد عمدوا إلى تكرار ذات التهم التي كالها الرئيس صالح لمعارضيه في خطابه الذي ألقي عليهم بمناسبة افتتاح مؤتمرهم الذي صدر عنه هذا البيان.
حيث وجهوا العديد من التهم الجزافية على المعتصمين والثوار والمواطنين، وعلى رأس هذه التهم، اتهام المعتصمين بإقلاق السكينة العامة، والأحياء السكنية، وقولهم بأنه هذه الاعتصامات يحدث فيها أمور محرمة شرعا، وبأن المتظاهرين يحملون شعارات مخالفة للشرع.
كما سردوا عددا آخر من التهم، ضمنيا، ومنها اتهام الثوار بالتسبب في سفك الدماء، واتهام المواطنين الذين يدافعون عن أنفسهم وأعراضهم في نهم وأرحب وتعز بالاعتداء على المعسكرات والجنود، واتهام المتظاهرين بالاعتداء على المنشآت الخدمة والممتلكات العامة والخاصة، والاعتداء على قدسية المساجد، وإثارة الفتن فيها، الاعتداء على حق التعليم وإغلاق المدارس والجامعات، وترويع الآمنين وإطلاق الأعيرة النارية في الأحياء السكنية، الدعوة لمخططات مغرضة داخلية وخارجية لتفريق الأمة وتمزيق الوطن، تضليل الشباب وتعبئتهم والزج بها في أعمال العنف، الاعتداء على الأعراض، وإطلاق السباب والشتائم والتشكيك في النوايا والمقاصد، وإطلاق التهديدات، والتصوير المسيء، والخروج عن الشرعية.
جميع هذه التهم سردها بيان العلماء، على اعتبار أن الثوار والقوى المدافعة عن الثورة هي من يمارسها، في تكرير واضح لسيل التهم التي يرددها الرئيس صالح، ضد معارضيه والثوار، في جميع خطاباته، بل زاد البيان على ذلك، بتحريض قوات الأمن على القيام بواجبها في حماية المنشآت العامة والخاصة والأسواق، على اعتبار أن من يعتدي عليها هم الثوار والقوى المدافعة عن الثورة، وإفتائه بأن ما يمارسه رجال الأمن يعتبر جهادا في سبيل الله، متجاهلا الانتهاكات التي ارتكبتها قوات صالح بحق المعتصمين والمدنيين.
وأضاف البيان في قائمة الاتهامات التي سردها ضد معارضي صالح، باتهامه للثوار بالخروج عن البيعة المنعقدة في ذمتهم للرئيس صالح، ومطالبته لهم بالالتزام بها والوفاء بها، كما اتهم القوات العسكرية المدافعة عن المعتصمين والثورة السلمية، بالخروج عن الجماعة، ودعاها إلى الرجوع إلى وحدة الصف ولم الشمل والوفاء بما وصفه بالعهد والقسم.
فقه السلطان
جاء البيان مليئا بالعديد من التوصيات المثيرة للسخرية، حيث شدد البيان على المطالبة بسرعة الكشف عن حقيقة الاعتداء على جامع دار الرئاسة، متجاهلا جميع المجازر التي ارتبكت وترتكب بحق المعتصمين، والمدنيين على يد قوات الحرس الجمهوري والأمن المركزي، في عدد من المحافظات اليمنية.
وتعليقا على هذه الجزئية، اعتبر الحزمي، بأنها تعتبر دليلا على أنه بيان سياسي، وليس بيانا للعلماء، حيث أنه يتحدث عن حادث النهدين، ويتجاهل المجازر التي ارتكبت من قبل ومن بعد هذا الحادث، باستثناء إشارة على استحياء إلى استكمال محاكمة المتهمين في جمعة الكرامة، التي رفضها جميع أهالي الضحايا، نظرا لكونها لم تقدم الجناة الحقيقيين إلى العدالة، وحاكمت متهمين آخرين لا صلة لهم بالحادث.
وتساءل الحزمي: هل دم الراعي حرام، ودماء الرعية حلال، عند هؤلاء العلماء، ولماذا لم ينادي هؤلاء العلماء الحاكم بالكف عن استئجار القتلة، الذين يقتلون الناس في الشوارع، والأحياء السكنية..؟
ومن ضمن النقاط التي تضمنها بيان العلماء، دعوته لوزارة التربية والتعليم بإضافة مادة علمية إلى المنهج الدراسي تحث على حب الله ورسوله وحقوق ولي الأمر، حيث علق الحزمي على هذه الجزئية بقوله بأن «هؤلاء العلماء الذين صدر عنهم هذا البيان يتقنون فقه حقوق الوالي، ويهملون حقوق الرعية، لأنهم لا يتحدثون إلا عن حقوق الوالي، وهذا دليل على أنهم فاقدون للحيادية».
وتعليقا على ما ورد في البيان، استنكر الحزمي تركيز البيان على حادث النهدين، وعدم الحديث عن قصف المساجد في أبين وفي أرحب من قبل طائرات النظام، وعدم حديثه عن حرمة قتل الشباب المعتصمين، وعدم حدثيه عن تضليل الإعلام الرسمي للشعب، وقلبه للحقائق، مشيرا إلى أن هذا البيان حول القاتل إلى مظلوم، والمقتول إلى ظالم.
البغاة
ومن أهم النقاط التي تطرق إليها البيان، القول بأن «الخروج على ولي الأمر بالسلاح من أعلى درجات الخروج، والدعوة إلى الكف عن الاستمرار في قتال القوات المسلحة..»، وتعقيبا على هذه الجزئية تساءل الشيخ الحزمي، لماذا لم يدعو العلماء الرئيس صالح عندما خرق الدستور ولم يف بواجباته المنصوص عليها دستوريا حيال شعبه، وقال بأن بين الرئيس وبين شعبه وثيقة خرقها الرئيس بتولية الفاسدين من أقارته، وبعدم حمايته للدماء والأموال والأعراض، وأثبت بأنه عاجز عن إدارة الدولة إداريا ومدنيا، فلماذا لم يدعه هؤلاء العلماء، إلى ما أجمع عليه الجميع، بالتوقيع على المبادرة الخليجية حقنا لهذه الدماء التي تسيل.
وأوضح الحزمي بأن شروط الولاية قد انتفت من الرئيس صالح، ويجب عليه وفقا لما أجمع عليه جميع العلماء أن يتنحى عن الولاية، لأنه لم يعد قائما بواجباته حتى يظل وليا للأمر.
أما بخصوص اتهام بيان العلماء لمن يدافعون عن أنفسهم وأعراضهم وقراهم في أرحب ونهم وتعز بالبغاة، أكد الحزمي بأن الباغي هو القاتل، أما من يدافع عن نفسه فهو في حكم الدفاع عن النفس، ويسمى هذا في الشريعة الإسلامية بدفاع الصائل، وقال لو جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصال على مال أو دم أحد من الناس فداع عن نفسه فمات فهو شهيد، أي أنه من حق أي إنسان أن يدافع عن نفسه، خصوصا وأن الولاية قد انتفت عن صالح، وكل كلام بعد انتفاء الولاية عنه هراء.
كما تساءل الحزمي، لماذا لم يدع العلماء قوات الأمن المركزي والحرس الجمهوري إلى كف عدوانها على أرحب ونهم، وعلى المعتصمين السلميين في تعز وصنعاء وغيرها من المدن اليمنية، أم أن دماء هؤلاء حلال، ودماء أولئك حرام لديهم.
وأضاف الحزمي: كيف يدعو بيان العلماء صالح إلى تثبيت الأمن ونشره، وهو لم يستطع أن يؤمن نفسه فقد عاد خلسة إلى اليمن في جنح الظلام، وفاقد الشيء لا يعطيه.
وأكد الحزمي بأن أكثر من ثلثي العلماء الذين شاركوا في المؤتمر رافضين لما جاء في هذا البيان، ومن المتوقع أن يصدر عنهم بيان نفي بأسمائهم كي لا يكونوا ممن ساهموا في القتل ولو بشق كلمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق